مجمع البحوث الاسلامية
493
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ميراثا منه للنّاس جميعا ، قال فضل اللّه : « وذلك حين ألان اللّه لداود الحديد ممّا جعل إنتاجه الدّروع سهلا ؛ بحيث يمكنه صنع الكثير منه » . 5 - وحيث إنّ هذه الصّنعة من إلهام اللّه ، فيجب الشّكر له ، فقال : فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ . وبذلك يتجلّى لنا موضع المخترعين والصّانعين عند اللّه تعالى . الثّانية : ( 10 ) إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ وفيها بحوث أيضا : 1 - جاءت في تأويل رؤيا ملك مصر حيث رأى سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع عجاف ، وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات ، فعرضها على المعبّرين عنده ، فقالوا : أضغاث أحلام ولم يعبّروها ، فعبّرها يوسف ، فقال : تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ يوسف : 47 - 49 . 2 - قالوا في معنى ( تحصنون ) : تحرزون ، تخزنون ، تدّخرون ، ترفعون ، تخزنون في الحصون ، تدّخرون للبذر ، تبذرون ، تدخّرون استظهارا وعدة لبذور الزّراعة ، تحرزون وتخبئون ، تحبسون لتزرعوا ، لأنّ في استبقاء البذر تحصين الأقوات . قال الطّبريّ : « إلّا يسيرا ممّا تحرزونه ، والإحصان : التّصيير في الحصن ، وإنّما المراد منه : الإحراز ، ثمّ نقل الأقوال فيه وقال : هذه الأقوال وإن اختلفت ألفاظ قائليها فيه ، فإنّ معانيها متقاربة ، وأصل الكلمة وتأويلها على ما بيّنت » . وقال الطّباطبائيّ : « الإحصان : الإحراز والادّخار . . . » ، وقال فضل اللّه : « وتدّخرون وتحتفظون به من القليل القليل ، كأنّ هذه السّنين سباع ضارية تكرّ على النّاس لافتراسهم وأكلهم ، فيقدّمون لها ما ادّخروه من الطّعام ، فتأكله وتنصرف عنهم » . ونقول : إذا كان أصل المادّة - كما سبق - الحصن ، فالإحصان جعل الشّيء في الحصن ، وسائر المعاني تعبير عن هذا المعنى ، مع الاحتفاظ بالغرض منه وبما يقارنه من المعاني ، إلّا أنّ السّياق يشعر بأنّ إحصان القليل في السّنين الشّداد ليس إدّخارا للأكل في عام بعدها ، لأنّه سنة خصبة فليس إلّا للبذر . الثّالثة ( 11 ) : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ ، جاءت في قصّة بني النّضير من طوائف اليهود القاطنين بالمدينة ؛ حيث عاهدوا النّبيّ لدى هجرته على أن لا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه ، ثمّ نقضوا عهدهم بعد غزوة أحد ، وراحوا إلى مكّة وحالفوا قريشا على أن تكون كلمتهم واحدة ضدّ النّبيّ عليه السّلام ، فأمر النّبيّ بقتل رئيسهم كعب بن أشرف ، ثمّ خرج النّبيّ إليهم ليستعينهم في دية قتيلين من بني عامر - وكان بينهم وبين بني النّضير حلف - فخانوه مرّة ثانية ، وأرادوا قتله بإلقاء صخرة عليه ، فحاصرهم المسلمون ، فتحصّنوا في حصونهم الأربعة ، ظانّين أنّها تصونهم من المؤمنين ، ولم تصنهم فأجبروا على الجلاء إلى الشّام أو خيبر ، ونزلت فيهم سورة الحشر . فلاحظ القصّة في التّفاسير والمغازي ، وراجع ح ش ر : « الحشر » .